مدونة مؤسسة RAND
شكوك تحوم حول صناعة الأسلحة الروسية
نُشر كتعليق من قبل صحيفة كييف إندبندنت
كتبته: كريستينا هولينسكا (Khrystyna Holynska)
7 أغسطس 2024
لطالما كانت صناعة الأسلحة الروسية وقدراتها التصديرية مصدر للفخر الوطني، على حد وصف الرئيس بوتين. حتى بعد شنّها غزوها الشامل على أوكرانيا في تاريخ شباط/فبراير 2022، تزعم روسيا أنها قادرة على تلبية الطلب المحلي المتزايد ومواصلة تصدير الأسلحة. كما تروّج الحكومة الروسية لقوة مجمعها الصناعي العسكري وذلك لطمأنة الجماهير المحلية والدولية على حد سواء بقدرة روسيا ليس فقط على مواصلة جهودها الحربية في أوكرانيا، بل وأيضًا على استغلال مبيعاتها من الأسلحة لتعزيز النفوذ الجيوسياسي.
و على ما يبدو، تستهدف هذه التصريحات ابداء الثقة في قدرة روسيا في التفوق على الغرب. ومع ذلك، فإن هذه الرسائل تتناقض بشكل صارخ مع التحليلات الأكثر تشاؤمًا التي تظهر في وسائل الإعلام الدولية والروسية على حد سواء. .
وتنشر القيادة السياسية والعسكرية الروسية باستمرار تقاريراً عن "النجاحات" التي حققتها في برامج إحلال الواردات –والتي تهدف إلى تقليل الاعتماد على الاستيراد من خلال تصنيع المنتجات محليًا - والتطورات الجديدة التي تحسن الأنظمة العسكرية الحالية
استنادًا إلى تجارب القتال الفعلية.. وطوال عام 2023 وحتى أوائل عام 2024، أعلنت شركة روس أوبورون إكسبورت المصدرة للأسلحة والمملوكة من قبل الحكومة الروسية عن توقيع عقود جديدة، مشيرة إلى وجود اهتمام دولي مستقر بالأسلحة الروسية وموافقة الحكومة على أنظمة جديدة للصادرات الروسية. كما ينفي المسؤولين التقارير التي تشير إلى تراجع مبيعات الأسلحة الروسية ، مثل تقديرات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام لعام 2023، وذلك بسبب اعتبارها تقاريراً خاطئةظراً إلى أنه لا يتم الكشف عن جميع المبيعات بسبب العقوبات. حتى أن الانخفاضات المعترف بها يتم وصفها على أنها تراجعات مؤقتة، يُفترض أن يعقبها انتعاش في الصادرات بعد انتهاء الحرب .
ومن المرجح أن تشيرالتغييرات الكبيرة في القيادة العسكرية الروسية ، والتي شملت إقالة وزير الدفاع سيرغي شويغو ونوابه، وما تلاها منسلسلة التوقيفات التي طالت قادة عسكريين روس بتهم الفساد، إلى عدم الرضا عن الوضع الحالي على أعلى المستويات. وللسنة الثانية على التوالي، لم يتضمن العرض العسكري الروسي التقليدي بمناسبة عيد النصر إلا استعراضًا محدودًا للقوة العسكرية.
ويُعتقد أن توطيد العلاقات مع كوريا الشمالية، والذي أبرزته زيارة بوتين غير المعتادة إلى بيونج يانج، أنها محاولة لتجديد ترسانة روسيا المستنزفة. كما تسلط التقارير المتعلقة بزيادة اعتماد روسيا على الأسلحة القديمة الضوء على معاناة روسيا في تلبية الطلب المحلي. كما تم انتقاد بعض الأنظمة العسكرية التي تستخدمها روسيا في أوكرانيا بسبب أدائها الضعيف.
. اضافة إلى ذلك، تم التشكيك في مصداقية روسيا بعد فشلها في الوفاء بوعودها بإنتاج أنظمة عسكرية متقدمة، مثل المقاتلات سو-75 "شيك ميت" أو ميج-35. وتفيد التقارير أن روسيا، التي كانت في السابق من المصدرين الرئيسيين للأسلحة، تسعى الآن إلى إعادة شراء الأسلحة من عملاءها السابقين سرًا، فضلا عن شراء معدات غربية مستعملة من الصين. لذلك ، أصبح الدفاع عن ادعاءات النجاح في استراتيجية إحلال الواردات أكثر صعوبة نظرًا للتحديات الواضحة في تنفيذها في قطاعات مثل الطيران المدني، تتغير جداول التسليم بشكل متكرر .
ومما يجدر ذكره أن بعض التقييمات السلبية بخصوص صناعة الأسلحة الروسية برزت حتى داخل الأوساط الإعلامية الروسية الخاضعة لرقابة صارمة. حيثيعترف الخبراء في روسيا بوجود صعوبات في الحفاظ على العلاقات التاريخية مع الدول المستوردة للأسلحة الروسية. وتفيد التقارير بفشل روسيا في تسليم الأسلحة لعملائها القدامى، مثل الهند وأرمينيا، وذلك بسبب تقديم الأولوية للمتطلبات المحلية. لذلك، تقوم بعض الدول بالمفاضلة بين منافع الحفاظ على علاقاتها مع روسيا مقابل التكاليف المالية والسمعة المرتبطة بمواصلة الأعمال تجارية مع روسيا. على سبيل المثال، قامت كل من الصين والهند بتنويع مشترياتهما من الأسلحة بعيدًا عن روسيا. فضلاً عن ذلك، يُنظر إلى الصين على أنها تسعى إلى تحسين علاقاتها مع الولايات المتحدة، وهو ما يُعتبر ضربة كبيرة للتعاون الروسي-الصيني.
وبالرغم من التعاون التاريخي و الالتزام المفترض، إلا أن دولاً مثل فيتنام والجزائر تعمل على تنويع مورديها والتفاوض بشأن عمليات نقل الأسلحة مع دول أخرى، مثل تركيا. وتكافح روسيا من أجل الحفاظ على هذه العلاقات، وتبذل جهودًا دبلوماسية كبيرة، بما في ذلك الزيارة البارزة التي قام بها بوتين إلى فيتنام. لكن الأمر بات أكثر صعوبة حيث، تزعم التقارير أن مصر قد تستجيب لضغوط الولايات المتحدة لدراسة اقامة شراكات أخرى.
وقد لوحظت توجّهات مماثلة حتى في الجمهوريات السوفيتية السابقة. حيث تسعى كازاخستان، التي شكلت الأسلحة الروسية أكثر من 90% من إجمالي وارداتها في الفترة من 2019 إلى 2023، إلى البحث عن موردين جدد للأسلحة لتنويع مشترياتها. وبينما لا يزال بعض المحللين الروس متفائلين بشأن استمرار التعاون العسكري التقني، مستشهدين على وجه الخصوص بقرار كازاخستان عدم شراء طائرات رافال المقاتلة من فرنسا، توجه وسائل الإعلام الروسية بشكل متكرر الاتهامات لقادة كازاخستان بدعم أوكرانيا سرًا والسعي للحصول على دعم دولي للابتعاد عن روسيا.
يدرك الخبراء داخل روسيا هذه التوجهات المثيرة للقلق. وهم يحذرون من تداعيات طويلة الأمد، بما في ذلك الصعوبات في السعي إلى استرجاع العملاء الذين خسرتهم . كما انتقدوا أيضًا محاولات روسيا لإبقاء الهند والصين كعملاء باستخدام عمليات نقل التكنولوجيا، مثل منح تراخيص إنتاج المحلي المقاتلات و الدبابات الروسية الصنع. وتزعم بعض التقارير الروسية أن الهند والصين قد تستغلان التكنولوجيا الروسية لتعزيز صناعاتهما العسكرية على حساب روسيا. ومع اعتراف الحكومة بنقص يبلغ 160 ألف عامل في المصانع العسكرية، يتوقع الخبراء أن تفقد روسيا ما يصل إلى %40 من قدراتها البحثية والهندسية بسبب تراجع عائدات مبيعات الأسلحة.
بشكل عام ، لا تزال روسيا تحقق نتائج أفضل من المتوقعً في بعض النواحي المهمة، مثل إنتاج القذائف المدفعية والتي هي في أمسّ الحاجة إليها ، اضافة الى ايجاد طرق لسد بعض الثغرات الانتاجية الأخرى . ولكن مع تكثيف حلف الناتو دعمه لأوكرانيا، قد لا تتمكن روسيا من تحمل الخسائر المادية إلى أجل غير مسمى. وفي حرب الاستنزاف هذه، قد تصبح هذه الخسائر هي الحاسم الذي يُنهك روسيا ويضعف موقفها بشكل كبيرز.
كريستينا هولينسكا، باحثة مساعدة في مجال السياسات في مؤسسة RAND وطالبة دكتوراه في كلية Pardee RAND للدراسات العليا.
This post is also available in English